الأربعاء 26 رمضان 1435 هـ - 23 يوليه 2014 م
http://nahdaislah.com/article/21--1.aspx
http://nahdaislah.com/article/25--.aspx
كُتابُنـــا
اشترك فى بريدنا
البريد الإلكترونى:

عالمية الإسلام وعمومه

الخميس 4 شعبان 1434 هـ - 13 يونيو 2013 م

الكاتب:

 

 

لا شكّ أنّ الاعتقاد الدينى, والميل الدينى حاجة روحية، ضرورية لصلاح البشر، فلا يختص بها فريق من الناس، دون باقى البشر؛ لذلك كانت الحاجة ماسة إلى دين عالمى، يكون دعوة إلى جميع البشر ( أ. محمد عزت الطهطاوى: النصرانية والإسلام. ص308. ط2. 1407هـ / 1987م. مكتبة النور – القاهرة ).

 

ويشترط فى عالمية الدين أن يكون صالحًا لكل جنس، وبدون ذلك لا يتحقق معنى العالمية فى أى دين ( د. أحمد عبده عوض: الإسلام والبعث الحضارى. ص 42، 43 ). وقد ذكر العلماء والمفكرون أن للدين العالمى الصالح لكل زمان ومكان خصائص أربع، نُجمِلُها فى الآتى:

1– تحقيقه للأمن الذى يكفل وَحْدة الإنسانية، وحماية أفرادها.

2– قيام شريعته على نَبْذ عصبية الجنس واللون.

3– ألا يتنافر مع حقائق العلم، ومقتضيات العقل السليم، والفكر القويم ( أ. أحمد عبد الغفور عطار: أصلح الأديان للإنسانية " عقيدة وشريعة ". ص20، 21. ط1400هـ / 1980م. مكة المكرّمة ) .

4– الثبات والاستقرار، بحيث يكون كاملاً، كلٌّ لا يتجزّأ، لا يحتاج إلى تطوير ( بل إلى اجتهاد )، لا تؤثر فيه الأحداث والتطورات الحضارية، موفيًا بجميع مطالب الإنسان المتنوعة المتجددة فى كل ميادين الحياة ( د. أحمد عبده عوض: الإسلام والبعث الحضارى. ص 39 ).

 

والحق الحقيق بالقبول أنَّ هذه الشروط تتمثل – واقعًا وتطبيقًا – فى الإسلام، فمجتمع الإسلام هو مجتمع البشرية كلها. فالدين الذى يصلح للبشرية كلها يجب أن يحوى الشريعة والعقيدة معًا، ويجب أن تكون العقيدة صحيحة وسليمة، والشريعة خيِّرة وصالحة ( أ. أحمد عبد الغفور عطار: أصلح الأديان للإنسانية " عقيدة وشريعة ". ص 23 ). فقد جاءت الشريعة الإسلامية خالدة على الدهر، باقية على الزمن، وافية بحاجات الأمة فى نظامها ( العبادى، والفردى، والخُلُقى، والاجتماعى، ... ) ( الشيخ السيد سابق: خصائص الشريعة الإسلامية ومميزاتها. المقدمة " ج ". ط 1. 1409هـ / 1988م. الفتح للإعلام العربى – القاهرة. وأيضًا: أ. أحمد عبد الغفور عطار: أصلح الأديان للإنسانية " عقيدة وشريعة ". ص 108 ). وقد جاء الإسلام لرسم إطار المنهاج الإلهى لحياة البشر فى كل زمان ومكان، بحيث يقدم للإنسان العقيدة التى تستجيب لكافة تطلعاته.

 

وقد توافرت فى عالمية الإسلام العناصر المتكاملة المتمثلة فى:

1– وحدانية الإله، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " ( البقرة: 21 ).

 2– الإيمان بكتب الله المنزلة على أنبيائه، قال تعالى: " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ " ( البقرة: 285 ).

3– الإيمان بجميع الرّسل الذين أرسلهم الله إلى عباده؛ لأن الله تعالى اصطفاهم من عباده، وحملهم رسالته عن طريق ملائكته الكرام، قال تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِى إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " ( النحل: 43) ( أ. محمد عزت الطهطاوى: النصرانية والإسلام. ص318. وقارن: أ. أنور الجندى: التوحيد " مقال بمجلة منبر الإسلام ". 1392هـ / 1973م. القاهرة ).

 

ومما يدلُّ على عالمية الإسلام أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بُعِثَ للبشر عامة، بدليل قوله تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ " ( سبأ: 28 ). وأيضًا: " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ " ( الأنبياء: 107 ). وقوله – صلى الله عليه وسلم -: "... وكان النبى يُبعث إلى قومه خاصَّة، وبُعثت إلى الناس كافَّة " ( البخارى: الجامع الصحيح. كتاب الصلاة. باب " جعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا ". ص105. رقم 438. من حديث جابر بن عبد الله ). بخلاف كل رسول أتى قبله، فنوح - عليه السلام- جاء خاصًا بقومه، قال تعالى: " إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ " ( نوح: 1 ). وكـذلك موسى وعيسى - عليهما السلام – قال تعالى: " وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ .... "(الصف: 5). وقال: " وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ..." (الصف: 6). وورد منسوبًا للمسيح: " لَمْ أُرْسَلْ إِلا إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إسرائيلَ الضالَّةِ " (متى 15: 24).

 

وقد ردّ ابن تيمية على النصارى الذين يدّعون أن قوله تعالى:" وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ "( آل عمران: 85 )، يقتضى العرب وحدهم، بأن صيغة مَنْ تقتضى العموم، وليس العرب وحدهم، وذكر دليلًا على ذلك، وهو أن الآية نزلت لما قدم على النبى- صلى الله عليه وسلم - وفد نجران يختصمون إليه، فناظرهم؛ نزلت هذه الآية المباركة. ومما يدل على عموم الآية للجميع، وليس للعرب ذمَّه- سبحانه - للنصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، قال تعالى:" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" ( التوبة : 31 ). فهذه الآية تثبت إلزامهم بعبادة الله وحده ( انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح. جـ2. ص117- 120. تحقيق د. على حسن ناصر وآخرين. ط2. 1419هـ / 1999م. دار العاصمة - الرياض. وقارن: عبد الكريم الخطيب: التعريف بالإسلام. ص8. ط1. د.ت. دار الفكر العربى - القاهرة ). وقد ذكر ابن تيمية – رحمه الله - عدة أدلة تثبت عموم الإسلام وعالميته، وهى:

1 – إسلام النجاشى، ونصارى العرب.

2 – إرسال الرُّسُل إلى جميع الطوائف الموجودة فى عهده.

3 – قتاله – صلى الله عليه وسلم – النَّصارى.

4 – إرسال الكتب والرُّسُل إلى ملوك الفرس.

5 – ضَرْبُه الجزية على المجوس ( انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح. جـ1. بصفة عامة من ص 247 – 328 ).

 

ويقول – رحمه الله -: " وكان دينه الذى ارتضاه الله لنفسه هو دين الإسلام الذى بعث به الله الأولين والآخرين من الرسل، ولا يقبل من أحد دينًا غيره: لا من الأولين ولا من الآخرين " (انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح. جـ1. ص 81 ).

 

ومما يؤكد – أيضًا - عموم الإسلام وعالميته أنَّ الله تعالى دعا المسلمين لإعلان الوَحْدة الكبرى للدين من لدن أبى الأنبياء إبراهيم – عليه السلام – إلى عيسى – عليه السلام – إلى دعوة الإسلام الأخيرة، ويدعو أهل الكتاب إلى الإيمان بهذا الدين الواحـد: " قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " ( البقرة: 136). وقد أشار النبى– صلى الله عليه وسلم – إلى حقيقة دين الأنبياء – عليهم السلام – وأنه الإسلام، فأعلن بذلك الوَحْدة الكبرى، فقال: " أنَا أَوْلَى النَّاسِ بابنِ مريمَ، الأنبياء أبناء عَلاتٍ، وليسَ بَينى وبينه نبىٌّ" ( مسلم: صحيحه. كتاب الفضائل. باب " فضائل عيسى ". ص962. رقم 2365. من حديث أبى هريرة ).

 

 تلك الوَحْدة الكبرى بين الرسالات، والرسل جميعًا هى قاعدة التصور الإسلامى، وهى التى تجعل الأمة المسلمة الأمة الوارثة لتراث العقيدة القائمة على دين الله فى الأرض، الموصولة بهذا الأصل العريق، السائرة فى الدرب على هدى ونور، والتى تجعل من النظام الإسلامى النظام العالمى الذى يملك الجميعُ الحياةَ فى ظله، دون تعصب ولا اضطهاد، والتى تجعل من المجتمع الإسلامى مجتمعًا مفتوحًا للناس جميعًا فى مودة وسلام ( أ. جمعة عثمان ضميرية: الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى. ص17. ط1. 1410هـ / 1990م. دار الفاروق– السعودية. وقارن: الشيخ على الطنطاوى: تعريف عام بدين الإسلام. ص192. ط14. 1412هـ/ 1992م. دار الوفاء – المنصورة ).

 

وخلاصة القول: إن جميع الرسل والأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – جاءوا بكلمة واحدة هى كلمة التوحيد، ودعوة واحدة هى دعوة التوحيد، فالتوحيد هو قاعدة كل ديانة جاء بها من عند الله رسول [ ومما يدل على أن جميع الأنبياء دينهم الإسلام قوله – صلى الله عليه وسلم : " مثلى ومثلُ الأنبياء كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله، فجعل الناس يُطِيفون به ، يقولون: ما رأينا بنيانًا أحسن من هـذا، إلا هذه اللَّبِنة. فكنت أنا تلك اللَّبِنة ". [ مسلم: صحيحه. كتــــــاب الفضائل. باب " ذكر كونه – صلى الله عليه وسلم – خــــاتم النبيين". ص 938، 939. رقم 2286. من حديث أبى هريرة ]. وقــــد نوه شيــخ الإســــلام ابن تيمية إلى هـذا المعنى ( انظر له: مجموعة الفتاوى. جـ19. ص 98. تحقيق أأنور الباز، عامر الجزار . ط3. 1426هـ / 2005م. دار الوفاء –   المنصورة ). وانظر: [ السُّدى ( أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن ت 128هـ ): تفسيره. ص129. جمع ودراسة د. محمد عطا يوسف. ط1. 1414هـ / 1993م. دار الوفاء – المنصورة. وأيضًا: الطبرى (أبو جعفر محمد بن جرير ت 310هـ ): جامع البيان: جـ2 . ص432 ، 433. تحقيق د. عبد الله عبد المحسن التركى. ط1. 1422هـ / 2001م. دار هجر – القاهرة ].

 

ومن ثَمّ كان الإسلام هو " الدين " الذى لا يقبل الله من الناس غيره؛ لأنه هو الذى يتفق مع وحدانية الله، ومقتضيات هذه الوحدانية. (القرطبى : الجامع لأحكام القرآن. المجلد الثانى. جـ4. ص29. وكذلك نظام الدين الحسن بن محمد القمى النيسابورى: غرائب القرآن. المجلد الثانى. جـ3. ص 127. وأيضًا: أ. سيد قطب : فى ظلال القرآن. جـ1. ص380. وكذلك: جمعة عثمان ضميرية: الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى. ص27. وانظر أيضًا: د. جمال عبد الهادى، د. وفاء محمد رفعت: الإسلام دين الله فى الأرض وفى السماء. ص29. ط1. 1406هـ. دار الوفاء- المنصورة. حيث يقررالباحثان أن الإسلام ليس - فحسب - دين الأنبياء، بل هو دين الكون كله. ومن الأدلة قوله تعالى :" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ " (الحج:18)، وقوله تعالى : " وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ " (الرعد:13)، وقـــوله تعـــالى: " وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ " (الرحمن:6). وهذا المعنى يتفق مع ما قرره أبو الأعلى المودودى، حيث يقرر أن الإسـلام هو: " الخضـوع والاستسلام والطاعة لله ، وأنه دين الله تعالى، وعبارته:

"Islam is an Arabic word connoting submission, surrender, and obedience"           

ويؤكد ما ذكره د. جمال عبد الهادى من أن كل شىء فى الكون مسلم مطيع لله تعالى وذلك بالاستسلام لقوانينه تعالى. والعبارة يحسن أن أذكرها:

 Everything in the universe is 'Muslim' obeying God by submission to His Laws "                               "

 ( Abul A'la Maududi: Comprehensive background on Islam. pp. 2-3. revised and edited by Dr. Muhammed Higab. 1418 / 1997. El-Falah for translation – Cairo ).

 

وقد وقع النِّزاع فى اختصاص اسم الإسلام بهذه ( أى أمة الرسول – صلى الله عليه وسلم-)، أم يوصف به من سبقها من الأمم، ويطلق على من آمن بنبيه من أمة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء – عليهم السلام -؟

وللعلماء فى هذه المسألة قولان مشهوران، حكاهما غير واحد من الأئمة:

القول الأول: إن الإسلام يُطلق على كل دين حق، ولا يختص بهذه الملة ( أى ملة رسولنا – صلى الله عليه وسلم- )، بل يطلق اسم الإسلام على الجميع، وهو اسم لكل ديـن حق لغة وشرعًا، فقـد ورد ذلك بألفـاظ راجعة إلى هـذا فى كتاب الله تعالى واستدل لهذا الرأى بقولـه تعـالى: " فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * مَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" ( الذاريات: 35، 36 ) ( أ. جمعة عثمان ضميرية: الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى. ص42. وقارن: الشيخ عبد الوهاب طويلة، د. محمد أمين حلوانى: عالميــــــة الإسلام. ص5 – 7 . د. ت. دار القـــــــلم – دمشق. وأيضًا: د.محمود بن الشريف: الأديان فى القرآن. ص31. وانظر: أبو الأعلى المودودى: مبادئ الإسلام. ص3، 4. د. ت. المكتب الإسلامى– بيروت. وكذلك: أ. محمد الراوى: الدعوة الإسلامية دعوة عالمية. ص75. د. ت. دار المعرفة – بيروت ).

 

 القول الثانى: أن الإسلام خاص بهذه الملة الشريفة، ووصف المسلمين خاص بهذه الأمة المحمدية، ولم يوصف به أحد من الأمم السابقة سوى الأنبياء فقط، وقد خصت هذه الأمة من بين سائر الأمم بخصائص لم تكن لأحد سواها، إلا للأنبياء فقط.

 

ومن الأدلة التى ترجّح هذا القول:

- قوله تعالى: " وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِى هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" ( الحج: 78 ).

 

فلو لم يكن قوله سبحانه:" هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ " خاصًا بهذه الأمة، كالذى ذكر قبله من الهداية ورفع الحرج، لم يكن لتخصيصه بالذكر ولاقترانه بما قبله معنى، ولم يذكر الله تعالى بالإسلام غير هذه الأمة، ولم نسمع بأمة ذكرت بالإسلام غيرها (الآلوسىّ ( شهاب الدين محمود البغدادى ت 1270هـ ): روح المعــانى:جـ 17. ص210. د.ت. دار إحيـــاء التراث العربى– بيروت. وكذلك: د.عبد الله على الزيد: مختصر تفسير البغوى ( الحسين بن مسعود الفرّاء البغوى الشافعى ت 516هـ ). ص1671. ط2. 1422هـ. الرياض. وكذلك: د. وهبة الزحيلى: التفسير الوجيز. ص342.ط2. 1416هـ / 1996م. دار الفكر – دمشق ).

 

- وقوله تعالى: " وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" (المائدة: 3)، وهذه الآية ظاهرة فى الاختصاص، فإن تقديم " لَكُمُ " يستلزم الاختصاص، ويفيد أنه لم يرضه لغيرهم، فقد اختاره الله لنفسه ولهذه الأمة ( د. حكمت بشير ياسين: التفسير الصحيح . جـ2. ص 154. ط1. 1419هـ. دار المآثر – المدينة المنورة. كذلك: ابن عطية ( أبو محمد عبد الحق ت 546هـ ): المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز. جـ2. ص155. تحقيق عبد السلام عبد الشافى محمد. ط1. 1422هـ / 2001م. دار الكتب العلمية – بيروت. وقارن: أ. جمعة عثمان ضميرية: الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى. ص44 ).

 

ونضع هنا كلمة قيمة لابن تيمية – رحمه الله – يحرر فيها محل النزاع، قـال: " وقد تنازع الناس فيمن تقدَّم من أمة موسى وعيسى، هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظى، فإن الإسلام الخاص الذى بعث الله به محمدًا - صلى الله عليه وسلم – المتضمن لشريعة القرآن - ليس عليه إلا أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيًا من الأنبياء فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبى من الأنبياء " (شيخ الإسلام ابن تيمية: التدمرية. ص173، 174. تحقيق د. محمد عودة السعوى. ط3. 1416هـ. مكتبة العبيكان. الرياض. وله: مجموعة الفتــاوى. جـ7. ص 386. وله : كتاب النبوات. جـ1. ص416. تحقيق د. عبد العزيز الطويان. ط1. 1420هـ / 2000م. مكتبة أضواء السلف – الرياض. وله: كتاب الإيمان. ص 226. د. ت. دار ابن خلدون– الإسكندرية. وقارن: الأزهــرى ( أبو منصور محمد بن أحمد ت 370هـ ): تهـذيب اللغـة. جـ12. ص451، 452. تحقيـق أ. أحمد عبد العليم البردونى، ومراجعـة أ.على محمد البجاوى. د. ت. الدار المصرية للتأليف والترجمة – القــاهرة. وكذلك: الجــوهرى ( إسمـاعيل بن حمَّاد ت 393هـ ): الصحاح. مــادة " سلم ". جـ5. 1950 – 1952. تحقيق أحمد عبد الغفور عطَّار. ط4. 1990م. دار العلم للملايين – بيروت. وأيضًا: ابن فـــارس ( أبوالحسين أحمد بن زكريـــا ت 395هـ ): معجم مقـاييس اللغـة. مــادة " سلم ". جـ3. ص90. تحقيق أ.عبد السلام هارون. ط2. 1399هـ / 1979م. دار الفكر- القاهرة. وكذلك: الراغب الأصفهانى: المفردات فى غريب القرآن. كتاب السين. ص240 ، 241. وانظر: ابن منظور: لسان العرب. المجلد الثالث. جـ23. ص2080. وأيضًا: ابن قيم الجوزية :التفسير القيم. ص201 ، 202 . تحقيق الشيخ محمد حامد الفقى. د. ت. دار الكتب العلمية – بيروت. وقــارن: ابن أبى العـــز الحنفى ( ت 792هـ ): شرح العقيدة الطحاوية. جـ1. ص19، 20. تحقيق الألبانى. ط2. 1421هـ / 2000م/ دار البصيرة – الإسكندرية. وأيضًا: ابن رجب الحنبلى ( زين الدين عبد الرحمن 795هـ ): رسائله. جـ2. ص555، 556. دراسة وتحقيق أبى مصعب طلعت فؤاد الحلوانى. ط2. 1424هـ / 2003م. دار الفاروق للطباعة والنشر – القاهرة. وكذلك: أ. سيد قطب: فى ظلال القرآن. جـ4. ص1882، 1883.وأيضًا: أ. أحمد عبد الغفور عطار: الديانات والعقائد فى مختلف العصور. جـ4. ص 116 ، 117، 128. وكذلك: د. بكر عبد الله أبوزيد: الإبطال لنظرية الخلط بين الأديان. ص34، 35. ط1. 1427هـ / 2006م. دار ابن الجوزى – القاهرة. وانظر: د. محمد سيد طنطاوى : هذا هو الإسلام. جـ1. ص19 ).

 

وإذا كان الدين واحدًا، فإن الشرائع مختلفة فى الأوامر والنواهى، فقد يكون الشىء فى هذه الشريعة حرامًا، ثم يحُلُّ فى الشريعة الأخرى، وبالعكس، وقد يكون خفيفًا فى شريعة فيزداد بالشدة فى الشريعة الأخرى، وقد تختلف طرق العبادة؛ نظرًا لاختلاف الناس وطرق تعليمهم باختلاف استعداداتهم، وظروف بيئتهم فى مختلف العصور والأزمان؛ إذ أن الشريعة تأتى لتلبية حاجات الناس، وهذه قد تختلف من أمة لأخرى، ومن زمن لآخر. كما تختلف الشرائع فى شمولها لبعض الأحكام، مما لم يكن منصوصًا عليه فى شريعة سابقة خاصة؛ لأن كل شريعة لاحقة إنما جاءت مُكملة أو موضحة لشريعة سابقة أو مصححة لما وقع فيها من انحراف.

 

ومن أوضح ذلك ما جاءت به شريعتنا الإسلامية من تعاليم، مما لم يكن فى الشرائع السابقة، مما يحتاج إليه الناس فى حياتهم اليومية، وفى روابطهم الشخصية ومعاملاتهم لبعضهم البعض. وهذا الاختلاف - بشتى صوره - إنما يقتضيه ما لله تعالى من الحكمة البالغة والحجة الدامغة فى اختلاف صور العبادات والشرائع، باختلاف استعداد الأقوام ومقتضيات الزمان والمكان (أحمد شاه الدهلوى ( ت 1176هـ ): حجة الله البالغة. جـ1. ص86. تحقيق أ. جمعة عثمان ضميرية. ط1. 1999م. مكتبة الكوثر– الرياض. وأيضًا: د. محمد عبد الله دراز: حول الأديان. ص52. د. ت. مجمع البحوث الإسلامية – الفاهرة ).

 

وقد أشـار الله تعـالى إلى كثير من هذه المعانى، فقال عن عيسى- عليـه السلام-: "وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ" (آل عمران: 50). وقـال عن دعوة محمد - صلى الله عليـه وسلم -: " يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِـلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَـاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِـمُ الْخَبَـائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْـرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِـى كَانَتْ عَلَيْهِمْ " (الأعراف: 157). ثم وضع قاعدة عامة، فقال سبحانه: " وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ " ( البقرة: 148 ) [أى لكل أهل دين- سواء كان بحق أو بباطل - جهة وقبلة يستقبلها، أى أنهم لا يتبعون قبلتهم، وأنت لا تتبع قبلتهم ( انظر: الشيخ محمد الأمين الهررى الشافعى: تفسير حدائق الروح والريحان. جـ3. ص30. مراجعة د. هاشم حسين مهدى. ط1. 1421هـ / 2001م. دار طوق النجاة – بيروت )].

 

 وهذا شبيه بقوله تعالى: " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ( أى سبيلاً وسنة [ انظر: ابن حجر ( شهاب الدين أحمد بن على بن محمد العسقلانى ت 852هـ ): فتح البارى. جـ1. ص46. تصحيح الشيخ محب الدين الخطيب. د.ت. دار المعرفة -   بيروت ] ).وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (المائدة: 48). يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ( ت 1393هـ ): " قد أشارت الآية إلى حالَتَى القرآن، بالنسبة لما قبله من الكتب، فهو مُؤَيّد لبعض الشرائع، مقرّر له من كل حكم كانت مصلحته كلية، لم تختلف مصلحته باختلاف الأمم والأزمان، وهو بهذا الوصف مصدّق، أى محقق ومقرر. وهو – أيضًا – مُبْطِل لبعض ما فى الشرائع السالفة، وناسخ لأحكام كثيرة، من كل ما كانت مصالحه جزئية مؤقتة، مُرَاعى فيها أحكام أقوام خاصة" (انظر: تفسير التحرير والتنوير. جـ6. ص221. ط1984م. الدار التونسية للنشر– تونس ).

 

وقد ذكر أهل التفسير أن المَعْنِىّ بقوله تعالى: " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً " هم أهل الملل المختلفة، فقد جعل الله لأهل كل ملة شريعة ومِنهاجًا. فالتوراة لها شريعة، والإنجيل له شريعة، والقرآن له شريعة يحلّ الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، على سبيل الابتلاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. أما الدين فواحد، وهو التوحيد والإخلاص لله الذى جاءت به الرسل (أ. جمعة عثمان ضميرية: الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى. ص 37 ).

 

يقول الدهلوى:" إنّ أصل الدين واحد اتّفق عليه الأنبياء – عليهم السلام – وإنما الاختلاف فى الشـرائع والمنـاهج " (انظر: حجة الله البالغة. جـ1. ص86 ). ويقول: " فالأوضاع الخاصة التى مهدت وبينت بها أنواع البر هى الشرعة والمنهاج " [انظر: حجة الله البالغة. جـ1. ص87. والملاحظ أنه باستقراء آيات القرآن الكريم نجد كلمة دين وردت فى القرآن الكريم قرابة تسعين مرّة مفردة، ولم ترد– قط – جمعًا، مما يدل على أنّ الدين عند الله واحد، وهو الإسـلام " إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ " ( آل عمران: 19 ). أما الشرائع فقد تختلف: " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا " ( المائدة: 48 ) ]. ونفهم من ذلك أن دين الله تعالى يتضمن جانبين اثنين: العقيدة والشريعة، أى العقيدة ومنهج الحياة ( أ. جمعة عثمان ضميرية: الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى. ص41 ).

 

وأَختِمُ قولى فى الفرق بين الشريعة والدين بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: " فدين الْأَنْبِيَاء وَاحِد وَهُوَ دين الْإِسْلَام؛ لِأَن بعض الشَّرَائِع تتنوّع، فقد يشرع فِى وَقت أمرًا لحكمة، ثمَّ يشرع فِى وَقت آخر أمرًا آخر لحكمةٍ، كَمَا شَرَعَ فِى أول الْإِسْلَام الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس، ثمَّ نسخ ذَلِك وَأمر بِالصَّلَاةِ إِلَى الْكَعْبَة؛ فتنوعت الشَّرِيعَة وَالدّين وَاحِد، وَكَانَ اسْتِقْبَال الشَّام من ذَلِك الْوَقْت من دين الْإِسْلَام ... فَمن تمَسّك بالمنسوخ فَلَيْسَ على دين الْإِسْلَام وَلَا هُوَ من الْأَنْبِيَاء. وَمن ترك شرع الْأَنْبِيَاء وابتدع شرعًا فشرعُه بَاطِل لَا يجوز اتِّبَاعه، كَمَا قَالَ: " أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدَّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله " (الشورى: 21). وَلِهَذَا كفرت الْيَهُود وَالنَّصَارَى؛ لأَنهم تمسكوا بشرع مَنْسُوخ. وَالله أوجب على جَمِيع الْخلق أَن يُؤمنُوا بِجَمِيعِ كتبه وَرُسُله وَمُحَمّد خَاتم الرُّسُل فعلى جَمِيع الْخلق اتِّبَاعه، وَاتِّبَاع مَا شَرعه من الدَّين هُوَ مَا أَتَى بِهِ من الْكتاب وَالسّنة " ( انظر: جامع الرسائل. جـ 1. ص 283، 284. تحقيق د. محمد رشاد سالم. ط 1. 1422هـ / 2001م. دار العطاء – الرياض ).

 

 هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة، ويتحمل كاتبُها مسؤوليتَها وحده.

 

رابط للنسخ :
التعليقات على المقالات