الخميس 4 شوال 1435 هـ - 31 يوليه 2014 م
http://nahdaislah.com/article/21--1.aspx
http://nahdaislah.com/article/25--.aspx
كُتابُنـــا
اشترك فى بريدنا
البريد الإلكترونى:

الخطاب الدّعويّ الرّاهن بين الطّرافة والتّطرّف

الخميس 8 ربيع الثاني 1433 هـ - 1 مارس 2012 م

لقد أثارتْ زيارة "الدّاعية " وجدي غنيم إلى تونس ضجّة كبرى في أوساط ثقافيّة وفكريّة ودينيّة ـأيضًاـ مختلفة،  وعبّرت أغلب التّيّارات السّياسيّة -ما عدا التّيّار الإسلاميّ بمختلف تنظيماته- عن استنكارها الزّيارة، وتقديمه بعض الخطب الدّعويّة في المساجد خاصّة، ونشأت نتيجة هذه الضجّة المشاحنات بين الأنصار والخصوم، بلغت حدّ التّلاسن والتّحرّش في الأماكن التي زارها، وفي صفحات التّواصل الاجتماعيّ الافتراضيّ.

وإذا كان أنصاره يضعون رافضي زيارته في خانة أعداء الإسلام من العلمانيّين واليساريّين ومدّعي الحداثة، وضعاف الإيمان، فإنّنا نرى وجوب تنزيل المسألة في إطارها الدّعويّ أوّلاً، ثمّ البحث في أسباب هذه الضجّة، ونعتقد أنّه علينا أنْ نفرّق بين تيّارين في الخطاب الدّعويّ الإسلاميّ الرّاهن، تيّار نصفه بالطّرافة، وتيّار نصفه بالتّطرّف.

يمثّل التّيّار الأوّل ممّنْ زار بلادنا في الفترة الأخيرة الدّاعية الشّيخ صفوت حجازي الذي سمعته يتكلّم بتواضع العلماء، وقد جعل زيارته تثمينًا لإنجاز الشّعب التّونسيّ ثورة سلميّة، ومباركة لها، وهنّأ بنجاح الانتخابات، وقد أثلج صدورنا حين ذكر بأنّ المرحلة التّاريخيّة الرّاهنة التي تمرّ بها الأمّة العربيّة تستوجب توافقًا عاليًا بين كلّ مكوّنات المجتمع، وتقاربًا بين كلّ التّيّارات السّياسيّة لتحقيق الأهداف الكبرى، وقد شدّد على استحالة قدرة تيّار واحد إنجاز تلك الأهداف، وصيانة مكاسبها، وذكّر برفضه تحوّل التّيّار السّياسيّ الإسلاميّ إلى مشروع حكم استبداديّ مثلما يرى خصومه، واستعداده للخروج إلى ميدان التّحرير للتّنديد والرّفض.

إنّ صفوت حجازي ينتمي إلى تيّار دعويّ يتّخذ التّرغيب في الإسلام منهجًا، والهدوء في التّحاور أسلوبًا، وتقريب المتباعدين هدفًا، ومحاربة أسباب الفتنة رهانًا، فنراه وغيره يبحثون عن الحكمة في تنزيل الأحكام، واقتضاء الأصول التّشريعيّة بعيدًا عن التّشنّج والتّصلّب والتّوعّد، جاعلاً سيرة الرّسول الأكرم صلّى عليه وسلّم قدوة ومثالاً، فتراه يحدّثنا عن تسامحه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ مع أعدائه، واعتداله في قراراته، واستشارة صحابته في أمّهات القضايا الدّنيويّة، وعفوه عمّن شرّدوه وقاتلوه، وحسن محاورته خصومه، ومجاورته مخالفيه الدّيانة حتّى يحبّب إليهم الإيمان، ويكره إليهم الشّرك، وينفّر المسلمين من مخاطر الكراهية والبغضاء.

أمّا "الدّاعية" وجدي غنيم فإنّه بالنّسبة إلينا يقع في التّيّار الثّاني الذي نصفه بالتّطرّف، وسنشخّصه انطلاقًا من التّساؤل عن أسباب نشوء الرّفض الذي واجه زيارته إلى تونس.

إنّ غنيم هذا يسلك خطابًا دعويًّا يستخفّ بكلّ التّيّارات الفكريّة، ويستهجن أطروحاتها، ويعتمد حركات يدويّة ساخرة، وإيماءات مستهزئة، إضافة إلى أنّه يبدو في هذا الخطاب متعاليًا على التّونسيّين معتبرًا إيّاهم من جهلة الدين، غير مقدّر لمجهوداتهم الجبّارة في إزاحة الدّكتاتوريّة، أو كأنّ التّيّار الإسلاميّ وحده منْ أنجز الثّورة، ممّا يؤكّد أنّه لم يشخّص الواقع التّونسيّ، مكتفيًا بترديد المقولات الدّعويّة نفسها المعزولة عن سياقاتها الثّقافيّة والاجتماعيّة، ثمّ إنّه يقوم بتكفير الدّيمقراطيّة، واعتبارها مقولة غريبة عن الفكر الإسلاميّ "الأصيل"، في الوقت الذي نجد فيه كلّ الشّعوب العربيّة اليوم متعطّشة للدّيمقراطيّة من أجل إعادة بناء أركان دولها ومجتمعاتها على قواعد سليمة، والدّيمقراطيّة هي التي سمحت للتّيّار الذي ينطق باسمه بالوصول إلى السّلطة، وإنّ ضرب الدّيمقراطيّة من جهة أخرى هو ضرب لمبدأ التّداول السّلميّ على السّلطة الذي أضحى مطلبًا شعبيًّا وليس مطلبًا إيديولوجيًّا، وستشرّع القوانين الدّستوريّة المكرّسة له، والحافظة لديمومته، ونعتقد أنّ البشريّة لم تنتج بعد أسلوبًا في التّعايش السّلميّ والتّداول على السّلطة والحكم أرقى من الدّيمقراطيّة.

ويكشف خطاب هذا الرّجل عن معاداة تامّة لكلّ أشكال العلمنة دون تمييز بين تيّاراتها وبيئاتها واختلاف أفكارها وتمظهراتها، والدّعوة إلى إقصاء العلمانيّين من المشاركة في الشّأن العام بمختلف فروعه، لأنّه يميّز بين النّاس ويحدّد معادنهم حسب المعتقد، وفي ذلك ضرب لمبدأ مدنيّة المجتمع والدّولة الذي تدّعي كلّ التّيّارات السّياسيّة والجمعيّات الأهليّة الدّفاع عنه، والمدنيّة تعني مشاركة الجميع في بناء الدّولة، وخدمة المجتمع دون شروط عقائديّة.

ثمّ نأتي إلى أهمّ نقطة ضخّمت تلك الضجّة المثارة وتتعلّق بمسألة المرأة، ولهذا الرّجل هنا رأيان يتعلّق الأوّل بالدّعوة إلى ختان البنات واعتباره مكرمةً، ويتعلّق الثّاني بالدّفاع عن تعدّد الزّوجات، ودون أنْ نلفت الانتباه إلى أنّ ختان البنات ظاهرة عرفتها شعوب حوض النّيل، ولم تعرفها الجزيرة العربيّة، ودون أنْ نذكّر بكون مسألة تعدّد الزّوجات مسألة فقهيّة خلافيّة بين الأئمّة والفقهاء، حتّى أنّ الإمام محمّد عبده رفض الإقرار بها، وقد تجاوز المجتمع التّونسيّ هذه المسألة بما في ذلك نساء التّيّارات الإسلاميّة، فإنّ التّطرّق إلى هاتين المسألتين ضرب لمكاسب المرأة التي تزعم كلّ الأحزاب الدّفاع عنها، بل وتنادي بتنميتها.

إنّنا اليوم في أمسّ الحاجة إلى دعاة يضيفون طرافةً إلى الخطاب الدّينيّ لإبراز إشراقه واعتداله، ويجنّبون مجتمعاتنا تطرّفًا أصبحنا اليوم في غنى عنه، ونحتاج إلى تعديل خطابات بعض الدّعاة التي "آلت بالإنسان في دواجي الظّلمة، واعوجاج المسلك الدّينيّ والعقائديّ، وبيع صكوك الغفران، وزيف الأحاجيّ، ونار الفتنة، وفخاخ الإفك"، (عبد الله أبو هيف ـ بتصرّف) وتجريم النّاس، والفصل بينهم وفق الأسس العقائديّة، وإقصاء غير المؤمنين أو غير المتديّنين، وهذه لعمري خطابات تتنافى وأدنى مستويات أسس الحياة المدنيّة التي تنظّم العلاقة بين البشر في كلّ المجتمعات القديمة والحديثة، ولا نعتقد أنّ المسلمين القدامى قد عزلوا "العلمانيّين" القدامى من الحياة العامّة، بل حاسبوهم وفق ما تقتضيه قوانين الحياة الجماعيّة.

ألا هل بلغّت؟ اللهمّ فاشهد.

 هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة، ويتحمل كاتبُها مسؤوليتَها وحده.

 

رابط للنسخ :
التعليقات على المقالات