الإثنين 26 ذو الحجة 1435 هـ - 20 أكتوبر 2014 م
http://nahdaislah.com/article/21--1.aspx
http://nahdaislah.com/article/25--.aspx
كُتابُنـــا
اشترك فى بريدنا
البريد الإلكترونى:

الْـمُوَازَنَةُ بَيْنَ الْـمَصَالِحِ وَالْـمَفَاسِدِ، وَأَثَرُهَا فِي الشَّأْنِ الْـمِصْرِيِّ الْعَامِّ بَعْدَ الثَّوْرَةِ 3

الأحد 13 جمادى الأولى 1432 هـ - 17 أبريل 2011 م

- مِن فروعِ قاعدةِ الموازنةِ بينَ المصالحِ والمفاسدِ:
يتفرعُ على هذه القاعدةِ الكليةِ فروعٌ كثيرةٌ، كما سبقَ ذكرُ بعضِهَا، ومنها ما قرَّرَهُ الإمامُ العزُّ بنُ عبدِ السلامِ، حيثُ قالَ:

«لِـمَ الْتَزَمَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ إدْخَالَ الضَّيْمِ عَلَى الْـمُسْلِمِينَ وَإِعْطَاءَ الدَّنِيَّةِ فِي الدِّينِ؟

قُلْنَا: الْتَزَمَ ذَلِكَ دَفْعًا لِـمَفَاسِدَ عَظِيمَةٍ، وَهِيَ قَتْلُ الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ لَا يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَفِي قَتْلِهِمْ مَعَرَّةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ، فَاقْتَضَتِ الْـمَصْلَحَةُ إيقَاعَ الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يردَّ إلَى الْكُفَّارِ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إلَى الْـمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ أَهْوَنُ مِنْ قَتْلِ الْـمُؤْمِنِينَ الْخَامِلِينَ، مَعَ أَنَّ اللهَ عز وجل عَلِمَ أَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْقِتَالِ مَصْلَحَةً عَظِيمَةً، وَهِيَ إسْلَامُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَكَذَلِكَ قَالَ: ﴿لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح: 25]، أَيْ: فِي مِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ رَحْمَتِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: 25] أَيْ: لَوْ تَفَرَّقَ بَيْنَ الْـمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَتَمَيَّزَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ؛ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.

- توجيهُ قاعدةِ «دَرْءُ الْـمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْـمَصَالِحِ» على ضَوءِ مَا ذُكِرَ:

مما يتعلَّقُ بما نحنُ فيهِ القاعدةُ التي ذكرَهَا أكثرُ الأصوليينَ، وهي: «دَرْءُ الْـمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْـمَصَالِحِ»، فقدْ يُفهمُ منها معارضةٌ لما قرَّرْنَاهُ، حيثُ يتبادرُ منها أنَّ أيَّ مفسدةٍ عارضتَ مصلحةً فإنَّنَا نتركُ المصلحةَ -وإنْ كانتْ كبيرةً- درءًا للمفسدةِ -وإن كانت يسيرةً-، وهذا ليس صوابًا؛ كما هو واضحٌ مِنَ الْأدلَّةِ الشرعيَّةِ الكثيرةِ وتصرفاتِ أهلِ العلمِ، التي تقتضِي أنَّ تحصيلَ المصلحةِ العظيمةِ مُقَدَّمٌ على درءِ المفسدةِ الصغيرةِ، وكثيرٌ مِنَ الْـمصالحِ يحصلُ بفواتِهَا مفاسدُ عظيمةٌ جدًّا، كما يحصلُ بدرءِ بعضِ المفاسدِ مصالحُ عظيمةٌ أيضًا، فالأمرانِ متداخلانِ في أكثرِ الأحيانِ، كما يُقالُ في نظيرِ هذه المسألةِ: «الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ مِنْ جِهَةِ الْـمَعْنَى» والعكسُ كذلك.

فهذه القاعدةُ: «دَرْءُ الْـمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْـمَصَالِحِ»؛ ليستْ على إطلاقِها، بلْ هيَ خاصَّةٌ بِما إذا تعادلت المصلحةُ والمفسدةُ، أمَّا إِذا كانت المصلحةُ كبيرةً والمفسدةُ المعارضةُ لها قليلةً؛ فالمقدَّمُ جلبُ المصلحةِ؛ إذ الشارعُ يعتبرُ المفاسدَ والمصالِحَ؛ فإذَا اجتمعَا قَدَّمَ الْـمصلحة الرَّاجحة على المفسدةِ المرجوحةِ؛ ولهذا أباحَ في الجهادِ الواجبِ ما لم يُبِحْهُ في غيرِهِ، حتى أباحَ رميَ العدوِّ بالمنجنيقِ -كما سبقَ-، وإنْ أفضَى ذلكَ إلى قتلِ النساءِ والصبيانِ، وتعمُّدُ ذلك يحرمُ، ونظائرُ ذلك كثيرةٌ في الشريعةِ، وقد نبَّه على هذا التقييدِ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ الذين تكلمُوا على هذه القاعدةِ، كالسيوطيِّ وغيرِه.

- أَقْسَامُ المصَالِحِ ورُتَبُهَا:
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا: أَنَّ المشهورَ عندَ أَهْلِ الْعِلْمِ تقسيمُ الْـمَصَالِحَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
«ضَرُورِيَّةٍ»، وَ«حَاجِيَّةٍ»، وَ«تَحْسِينِيَّةٍ».

فَـالضَّرُورِيَّةُ: «هي التي لابُدَّ منها في قيامِ مصالحِ الدينِ والدنيَا، وهي ما يحفظُ الدينَ والنفسَ والعقلَ والنسلَ والمالَ»، وَمَعْنَى ذَلِكَ: أنَّهَا متى انخرَمَتْ آلَ حالُ الأمةِ إلى فسادٍ عظيمٍ، فلَمْ تجرِ مصالِحُهُمْ في الدنيا على استقامةٍ، بل على فسادٍ وتهارج وفوتِ حياةٍ، وفي الآخرةِ فوتُ النجاةِ والنعيمِ، والرجوعُ بالخسـرانِ المبينِ.

والحَاجِيَّةُ: هيَ مصالحُ مُفْتَقَرٌ إليها من حيثُ التوسعة ورفع الضيقِ المؤدِّي في الغالبِ إلى الحرجِ والمشقةِ اللاحقةِ بفوتِ المطلوبِ، فإذا لم تُراعَ دخلَ على المكلَّفينَ ـ على الجملةِ ـ الحرجُ والمشقةُ، ولكنَّهُ لا يبلغُ مبلغَ الفسادِ العادِي المتوقَّعِ في المصالحِ العامَّةِ، وهي جاريةٌ في العباداتِ، والعاداتِ، والمعاملاتِ، والجناياتِ.

والتَّحْسِينِيَّةُ مَعْنَاهَا: الأخذُ بما يليقُ من محاسنِ العاداتِ، وتجنُّبُ المدنساتِ التي تأنفُهَا العقولُ الراجحاتُ، ويَجمعُ ذلك قسمُ مكارمِ الأخلاقِ، وهي جاريةٌ فيما جرى فيه الأوليانِ.

فيرجعُ البابُ إلى الترجيحِ، ويبقَى نظرُ المجتهدِ في أرجحِهِمَا، بمعنَى: أعظمِهِمَا نفعًا وصلاحًا، وأقربِهِما إلى تكميلِ الدينِ، وإصلاحِ أحوالِ المسلمينَ.

فإذا كانتِ الْـمصلحةُ المرجوحةُ من قبيلِ التحسيناتِ أُهدِرتْ في سبيلِ دفعِ السيئةِ العظيمةِ؛ لأنَّهُ ليس في فواتِ تلك المصلحةِ مفسدةٌ تربُو على أختِهَا الأخرى التي زاحمتْهَا، وأمَّا إنْ كان التعارضُ بين مصلحةٍ مِنَ الْـمصالحِ الضروريَّةِ ومفسدةٍ صُغْرَى، فإنَّ في فواتِ تلكَ المصلحةِ مفسدةً أشدَّ ضررًا مِنَ الْـمفسدةِ الصُّغرَى، فلا يُقَدَّمُ درءُ تلك المفسدةِ على جلبِ المصلحةِ الضروريَّةِ الكُبرَى؛ إِذْ لا ريبَ أنَّ تحصيلَ المصالحِ الضروريَّةِ أهمُّ مِنَ الوقوعِ في بعضِ ما يصحُّ إطلاقُ اسمِ المفسدةِ عليه مِن صغائرِ الأمورِ. وهذا واضحٌ.

يقولُ الشاطبيُّ ?: «إِنْ كانتِ الطاعةُ والمخالفةُ تُنتِجُ مِن المصالحِ أو المفاسدِ أمرًا كليًّا ضروريًّا؛ كانت الطاعةُ لاحقةً بأركانِ الدِّينِ، والمعصيةُ كبيرةً مِن كبائرِ الذنوبِ، وإنْ لمْ تُنتِجْ إلا أَمرًا جُزئيًّا؛ فالطاعةُ لاحقةٌ بالنوافلِ واللواحقِ الفَضليةِ، والمعصيةُ صغيرةٌ مِن الصغائرِ.

وليست الكبيرةُ في نفسِها معَ كلِّ ما يُعَدُّ كبيرةً على وِزانٍ واحدٍ، ولا كلُّ ركنٍ معَ ما يُعَدُّ ركنًا على وِزانٍ واحدٍ أيضًا، كما أَنَّ الجزئياتِ في الطاعةِ والمخالفةِ ليستْ على وِزانٍ واحدٍ؛ بلْ لكلٍّ منها مرتبةٌ تليقُ بِها ».

فلا بُدَّ إذًا مِن معرفةِ أنواعِ المصالحِ الشرعيةِ ومراتبِها قَبْلَ كلِّ اجتهادٍ أو تقديرٍ مصلحيٍّ، لِتُعْطَى كلُّ مصلحةٍ ما تستحقُّه مِن الحفظِ والعنايةِ، وتُعْطَى كلُّ مفسدةٍ ما تستحقُّه مِن الدَّرءِ والوِقايةِ.

فأنواعُ المصالحِ منها ما هوَ دنيويٌّ وما هوَ أخرويٌّ، ومنها ما هو حِسيٌّ وما هو معنويٌّ، ومنها ما هو فَرديٌّ وما هو جماعيٌّ، ومنها ما هوخُلُقيٌّ وما هو بَدنيٌّ وما هو ماليٌّ، ومنها ما هو حاليٌّ عاجلٌ وما هو مآليٌّ آجِلٌ، ومنها ما هو مصلحةٌ مقصودةٌ لِذَاتِها وما هو وسيلةٌ يرادُ بها غيرُها...

ومراتبُ المصالحِ: منها ما هو ضروريٌّ وما هو حاجيٌّ وما هو تحسينيٌّ، ومنها ما هو أصليٌّ قائمٌ بذاتِه وما هو مكَـمِّلٌ تابعٌ لغيرِه، ومنها ما هو واجبٌ وما هو مندوبٌ وما هو مباحٌ، ومنها ما هو قليلٌ وما هو كثيرٌ، ومنها القاصرُ الذي ينحصرُ نفعُه في صاحبِه، ومنها المتعدِّي الذي يمتدُّ نفعُه إلى غيرِه .

فالمجتهدُ الذي يعرفُ ويستحضرُ أنواعًا من المصالحِ ويغيبُ عنه نوعٌ أو أنواعٌ منها؛ سيقع لا محالةَ في الإهمالِ والإهدارِ لما غاب عنهُ أوْ جَهِلَه.

والذي يعرفُ أنواعَ المصالحِ ويستحضرُها كلَّها، ولكنه لا يَقْـدُر لها أقدارَها ولا يُقِيم لها أوزانَها؛ سيقعُ ولا بُدَّ في الإخلالِ بمراتبِها ومَقامَاتِها؛ فيؤخِّرُ ما حقُّه التقديمُ، ويقدِّمُ ما حقُّه التأخيرُ، ويعطي بعضَها أكثرَ مما يستحقُّه، ويبخسُ بعضَها ما يستحقُّه.

ومِن أنواع المصالحِ التي يقعُ إغفالُها أو بخسُها عند كثيرٍ من المهْتَمين بالمصالح والمدافِعين عنها؛ المصالحُ المعنويةُ والخُلقيةُ، حتى لَكأنها عند بعضِهم لا تدخلُ في مسمَّى المصلحةِ.

وقد نبَّه شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ? على هذا الخللِ في مواطنَ من كُتبِه، كما في قولِه: «والمقصودُ هنا: أن يُعرفَ مراتبُ المصالحِ والمفاسدِ، وما يحبُّه اللهُ ورسولُه وما لا يُبغضُه مما أمر اللهُ به ورسولُه كان لما يتضمنُه من تحصيل المصالحِ التي يحبُّها ويرضاها، ودفعِ المفاسد التي يُبغضُها ويَسخَطُها، وما نهى عنه كان لتضمنه ما يُبغضُه ويَسخَطُه ومنعه مما يحبُّه ويرضاه.

وكثيرٌ من الناس يَقصُر نظرُه عن معرفةِ ما يحبُّه اللهُ ورسولُه مِن مصالحِ القلوبِ والنفوسِ ومفاسدِها، وما ينفعُها مِن حقائقِ الإيمانِ، وما يضرُّها مِن الغفلةِ والشهوةِ... فتجدُ كثيرًا من هؤلاءِ في كثيرٍ من الأحكامِ لا يَرى مِن المصالحِ والمفاسدِ إلا ما عادَ لمصلحةِ المالِ والبدنِ، وغايةُ كثيرٍ منهم إذا تعدَّى ذلك أن ينظرَ إلى سياسةِ النفسِ وتهذيبِ الأخلاقِ بمَبْلغِهم مِن العلمِ... ».

وقال الشيخُ عِزُّ الدينِ بنُ عبدِ السلامِ: «الواجباتُ والمندوباتُ ضربانِ:
أحدُهما: مقاصدُ، والثاني: وسائلُ.
وكذلك المكروهاتُ والمحرَّماتُ ضربانِ:
 أحدُهما: مقاصدُ، والثاني: وسائلُ.

ولِلْوسائلِ أحكامُ المقاصدِ، فالوسيلةُ إلى أفضلِ المقاصدِ هي أفضلُ الوسائلِ، والوسيلةُ إلى أرذلِ المقاصدِ هي أرذلُ الوسائلِ. ثُمَّ تترتبُ الوسائلُ بترتُّبِ المصالحِ والمفاسدِ.

فمَن وفَّقه الله للوقوفِ على ترتيبِ المصالحِ؛ عرَفَ فاضلَها من مفضولِها، ومُقَدَّمَها من مؤخَّرِها.

وقدْ يختلفُ العلماءُ في بعضِ رُتَبِ المصالح، فيختلفون في تقديمِها عند تعذُّر الجمْعِ.

وكذلك مَن وفَّقه الله لمعرفة رُتَبِ المفاسد، فإنه يَدرأُ أعظمَها بأخفِّها عند تزاحُمِها.

وقد يختلفُ العلماءُ في بعض رُتَب المفاسد؛ فيختلفون فيما يُدرأ منها عند تعذُّر دفعِ جميعها، والشريعةُ طافحةٌ بما ذكرناه... ».

وَالْـحَاصِلُ: أنَّ تقديمَ المصلحةِ الأرجحِ مع الوقوعِ في المفسدَةِ الأدنَى، نظيرُ دفعِ المفسدَةِ الأعظمِ المترتبَةِ بارتكابِ المفسدَةِ الأدنَي.

فعلَى المجتهدِ: أن ينظرَ إلى ما يجلبُهُ فواتُ المصالِحِ من مفاسدَ لازمةٍ لذلك، ويوازنَ المفاسدَ المتعارضَةَ مع تلك المصالِحِ، فإنْ لم يترتبْ عليها شيءٌ مِنَ الْـمفاسدِ؛ فإنَّهَا لا ترجحُ على درءِ المفسدَةِ وإنْ صَغُرَتْ، وإنْ ترتَّب فبحسبِ درجةِ تلك المصالِحِ، وهل هي ضروريَّةٌ أم حاجيَّةٌ أم تحسينيَّةٌ على ما بينها من تفاوتٍ أيضًا.

- مِيزَانُ تَفَاوُتِ المصَالِحِ والمفَاسِدِ:
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ: أنَّ ميزانَ تفاوتِ المصالِحِ في الأهميَّةِ يتناولُ تصنيفَهَا من جوانبَ ثلاثةٍ:
الْأَوَّلُ: النَّظَرُ إلى قيمتِهَا مِنْ حيثُ ذاتها، وترتيبها في الأهميَّةِ على حسبِ ذلك.
الثَّانِي: النَّظَرُ إليها من حيثُ مقدار شمولِهَا.
الثَّالِثُ: النَّظَرُ إليها من حيثُ التَّأَكُّد من نتائِجِهَا أو عدَمِهِ.

فإذا تعارضتْ مصلحتانِ في مناطٍ واحدٍ بحيثُ لم يمكنْ تحصيلُ إحداهُمَا إلَّا بتفويتِ الأُخرَى؛ فإنَّهُ يُنْظَرُ فيهما من هذه الجهاتِ الثلاثِ على ترتيبِهَا في الذِّكرِ.

أمَّا تفاوتُ المصالِحِ من حيثُ ذاتها؛ فإنَّ كلياتِ المصالِحِ المعتبَرَةِ شرعًا متدرجةٌ حسبَ الأهميَّةِ في خمسِ مراتبَ هي: حفظ «الدِّينِ»، و«النَّفسِ»، و«العقلِ»، و«النسلِ»، و«المالِ». وهي على هذا الترتيبِ عند أكثرِ العلماءِ .

فما بِه حفظُ الدينِ مُقَدَّمٌ على ما بِهِ حفظُ النَّفسِ عندَ التعارضِ، وما بِه حفظُ النَّفسِ مُقدَّمٌ على ما به حفظُ العقلِ عند التعارضِ، وهكذا...

 ثُمَّ رعايةُ هذه الكلياتِ الخمسِ يكونُ بوسائلَ متدرجةٍ حسبَ الأهميَّةِ في ثلاثِ مراتبَ: «الضروريَّاتِ»، و«الحاجيَّاتِ»، و«التحسينيَّاتِ»، وينضمُّ إلى كلِّ مرتبةٍ من هذه المراتبِ الثلاثِ ما هو مُكَمِّلٌ لها.

   فمتى تعارضَتْ مصلحتانِ في رتبةٍ واحدةٍ، كما لو كانَتَا ضروريتَيْنِ، أو حاجيتَيْنِ، أو تحسينيتَيْنِ؛ نُظِرَ إليهِمَا من حيثُ المتعلَّقِ؛ فيُقَدَّمُ ما تعلَّقِ بحفظِ الدِّينِ مِنَ الضَّروريَّاتِ على ما تعلَّقَ بحفظِ النفسِ منها، تبعًا لتقديمِ حفظِ الدِّينِ على حفظِ النفسِ، وهكذا...

ثُمَّ متى اتحدَتِ الرُّتبةُ، واتحدَّ المتعلَّقُ؛ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إليهما من حيثُ الشمول؛ إذْ لا يصحُّ تقديمُ ما تتحقَّقُ به مصلحةُ طائفةٍ يسيرةٍ على ما تتحقَّقُ به مصلحةُ الجماهيرِ مِنَ النَّاسِ، ومِنَ الْـمقرَّرَاتِ في هذا البابِ قولُـهُمْ: «يُتَحَمَّلُ الضَّرَرُ الْخَاصُّ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَامٍّ»، فالمصلحةُ العامَّةُ إذًا مُقَدَّمَةٌ على المصلحةِ الخاصَّةِ.

ومحورُ الشمولِ هذا كما يتمثلُ باعتبارِ عددِ المنتفعينَ بالمصلحةِ؛ فهو متمثلٌ أيضًا باعتبارِ كثرةِ المجالاتِ والميادينَ التي يتناولُهَا النفعُ؛ فالمصلحةُ التي تُحَقِّقُ نفعًا في المجالِ الدِّينيِّ والاجتماعيِّ والاقتصاديِّ والسياسيِّ وغيرِهَا أرجحُ مما تقصرُ عن ذلك.

ثُمَّ لا بُدَّ أيضًا مِنَ النَّظرِ إلى الجانبِ الثالثِ مِنَ الْـمصلحةِ، وهو مدَى توقُّعِ حصولِهَا في الخارجِ، فرُبَّمَا كانتْ نتيجةُ الفعلِ مؤكدةً أو مظنونةً على اختلافِ درجاتِ الظنِّ، أو مشكوكًا فيها، أو متوهمةً.

والعبرةُ في ترجيحِ مصلحةٍ على أخرى بالمقطوعَةِ ثُمَّ المظنونَةِ، وَسَيَأْتِي لذلك مزيدُ بيانٍ في الفصلِ الثاني ـ إن شاء الله تعالى ـ.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: «الْـمَصْلَحَةُ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهَا فِي ذَاتِهَا تَنْقَسِمُ إلَى: مَا هِيَ فِي رُتْبَةِ الضَّـرُورَاتِ، وَإِلَى مَا هِيَ فِي رُتْبَةِ الْحَاجَاتِ، وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّحْسِينَاتِ وَالتَّزْيِينَاتِ، وَتَتَقَاعَدُ أَيْضًا عَنْ رُتْبَةِ الْحَاجَاتِ، وَيَتَعَلَّقُ بِأَذْيَالِ كُلِّ قِسْمٍ مِن الْأَقْسَامِ مَا يَجْرِي مِنْهَا مَجْرَى التَّكْمِلَةِ وَالتَّتِمَّةِ لَهَا...

لَكِنَّا نَعْنِي بِالْـمَصْلَحَةِ الْـمُحَافَظَةَ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ، وَمَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنَ الْخَلْقِ خَمْسَةٌ: وَهُوَ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَنَفْسَهُمْ، وَعَقْلَهُمْ، وَنَسْلَهُمْ، وَمَالَهُمْ، فَكُلُّ مَا يَتَضَمَّنُ حِفْظَ هَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ؛ فَهُوَ مَصْلَحَةٌ، وَكُلُّ مَا يُفَوِّتُ هَذِهِ الْأُصُولَ فَهُوَ مَفْسَدَةٌ، وَدَفْعُهَا مَصْلَحَةٌ، وَإِذَا أَطْلَقْنَا المعنى المخيلَ والـمناسبَ في كِتَابِ الْقِيَاسِ أَرَدْنَا بِهِ هَذَا الْجِنْسَ، وَهَذِهِ الْأُصُولُ الْخَمْسَةُ حِفْظُهَا وَاقِعٌ فِي رُتْبَةِ الضّـَرُورَاتِ، فَهِيَ أَقْوَى الْـمَرَاتِبِ فِي الْـمَصَالِحِ"

وما قيلَ في المصلحةِ فوزانُهُ مقولٌ في المفسدَةِ، فكلُّ ما كان أفدحَ ضررًا، وأكثرَ فسادًا؛ فالاهتمامُ بدفعِهِ أولَى.

فهذا مدخلٌ تأصيليٌّ مختصرٌ لقاعدةِ الموازنَةِ بين المصالحِ والمفاسدِ، ذَكَرْنَا فيه المهمَّ من التنظيرِ لهذه القاعدةِ الشريفةِ، وقدَّمناهُ بينَ يدَي الفصولِ التطبيقيةِ الآتيةِ؛ ليكونَ عونًا علَى تعرُّف الحكمِ فيها .

 هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة، ويتحمل كاتبُها مسؤوليتَها وحده.

 

رابط للنسخ :
التعليقات على المقالات