الجمعة 7 محرم 1436 هـ - 31 أكتوبر 2014 م
http://nahdaislah.com/article/21--1.aspx
http://nahdaislah.com/article/25--.aspx
كُتابُنـــا
اشترك فى بريدنا
البريد الإلكترونى:

وقفات مع مقال (هل نحارب طواحين الهواء؟) (2)

الخميس 7 رجب 1432 هـ - 9 يونيو 2011 م

الكاتب:


((بماذا تميزت الخلافة الراشدة؟))

الحمد لله وحده, وبعد..

فإن  المتأمّل في مقال الدكتور, ليجد أن بينه وبين مخالفيه من الإسلاميين مساحة اتفاق لا بأس بها, إذ أنه يعتبر فترة الخلافة الراشدة نموذجا يُحتذى, أرسى فيه المسلمون قواعد العدل, وبلغوا فيه من الفلاح والحضارة مبلغا عظيما لم يتكرر, حين طبّق المسلمون (جوهر) الإسلام –على حد تعبيره-, وإن خالفنا في تصوره وتحديده لهذا (الجوهر).

فلننطلق مما اتفقنا عليه, فنقول: إن الارتباط بين فلاح المجتمع المسلم وبين تطبيقه لجوهر الإسلام أمرٌ مرتكزٌ في فِطَر المسلمين لا ينبغي أن ينشأ حوله نزاع, إذ أنه يرتقي إلى مرتبة المسلمات العقدية, تدل عليه الآيات والأحاديث العديدة المتضافرة, وهو من مقتضى عدل الله تعالى, فمن  من حرص على لزوم صراط الله المستقيم, مطيعا لأمره مجتنبا نهيه, فإن الله يرفع قدره في الدنيا والآخرة, ولا يسوّي أبدا بينه وبين من أعرض عن ذكره وبارزه بالمعصية, في ذلك يقول رب العزة:
(أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم), ويقول: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينه حياة طيبة), فلا تستوي حياة هؤلاء وحياة أولئك, كما لا يستوي ممات هؤلاء وممات أولئك, وإذا كان هذا في الأفراد, فهو بلا شك سينعكس على المجتمع ككل.

وإذ أرسينا هذا الأساس, فعلينا أن نسأل أنفسنا:
ما هو ركن الإسلام الركين وأصله الأصيل؟ الذي إن أحسن المسلم تحقيقه صدقت عليه هذه الآيات؟ فنال الفلاح وساد الدنيا, وفاز بالنعيم المقيم في الآخرة؟
والجواب مرتكزٌ في قلب كل مسلم: إنه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, يقطع بذلك كل مسلم, ولكن لنا هنا أن نتساءل: هل نعي جميعا معنى هذه الشهادة ومقتضياتها؟

 إن نصف الشهادة الأول: معناه أنك تشهد بلسانك مفصحا عما في قلبك من يقين أنه لا معبود بحق إلا الله, فلا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين, أما الشطر الثاني: فمعناه أنك تشهد بلسانك مفصحا عما في قلبك من يقين أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم مرسل من عند الله, برسالة خالدة إلى يوم الدين, وأنه أبلغها أتم البلاغ قبل أن يلقى ربه, وهذا والحمد لله واضح.

فماذا عن مقتضيات الشهادتين؟ أعني, إن كنت مسلما قد نطقت الشهادتين, فما معنى التزامك بهما, وكيف تكون مطبقا لهما, وكيف يتفاضل المسلمون في هذا الأصل العظيم؟

والجواب: هو أنك حين شهدت ألا إله إلا الله, فقد التزمت ألا تعبد غيره, وألا تحتكم إلى غير حكمه, لا تشرك في ذلك معه أحد, وحين شهدت أن محمدا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, فقد التزمت أن تطيعه فيما أمر وتجتنب ما عنه نهى وأن تصدقه فيما يخبر به عن ربه وألا تعبد الله إلا وفق هديه وسنته.

هذا هو مقتضى نطقك بالشهادتين, وكما هو ظاهر, فإن الناس يتفاضلون في نصيبهم من هذه المقتضيات, حتى يكون الفارق بين الرجل وأخيه كما بين السماء والأرض, فابتغاء وجه الله في العمل والإخلاص له وحده لا شريك له: يتفاضل فيه المسلمون, وطاعة أمر الله وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم: يتفاضل فيه المسلمون ويتفاوتون, واجتناب ما حرّم الله ورسوله: يتفاضل فيه المسلمون أيضا ويتفاوتون, بل حتى تصديقهم لما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار: أيضا يتفاضل فيه المسلمون.

وقد كان الصحابة (كجيل) بنص القرآن خير من حقق هذا الأصل وأوفر الناس نصيبا من العمل بمقتضياته, بل قد شهد الله  تعالى أنه قد رضي عنهم أجمعين, وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه), فهم الأصل, وغيرهم لا يستحق المدح إلا إن اتبعهم بإحسان, وفي نفس المعنى يقول ربنا:
(لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا, وكلا وعد الله الحسنى), فكان جزاء امتثالهم وانقيادهم, أن نصّ الله في كتابه أنه قد وعدهم الحسنى.

أما الخلفاء الراشدين الأربعة, فلهم مزيّة خاصة, علمناها من نص النبي صلى الله عليه وسلم, وصدّقتها سيرتهم العطرة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد مماته, وذلك قوله في حديث العرباض بن سارية: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا, فعليكم بسنتي, وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, عضوا عليها بالنواجذ), فبنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, هم أقرب الناس إلى سنته, بل إنه صلى الله عليه وسلم قد جعل سنتهم هي سنته, حين قال: عضوا (عليها): فهي إذن سنة واحدة, سنته صلى الله عليه وسلم هي سنتهم رضي الله عنهم, ولم يأت نص  يعطي هذه المنقبة لأحد غيرهم على الإطلاق.

أما سيرتهم, فلا نعرف من يضاهيهم في بذلهم لله وتضحياتهم وزهدهم وورعهم وأمانتهم وعدلهم بين رعاياهم وحرصهم على اتباع السنة ونصرة دين الله, فصدّق الواقعُ خبرَ النبي صلى الله عليه وسلم..

هذا بوضوح ما تميز به هؤلاء الأربعة عن سائر أفراد أمة الإسلام, فكما اتقوا الله تعالى وعظموا شريعته على أنفسهم يوم كانوا أفرادا من عامة المسلمين, فلم يتغير هذا المنهج الذي سلكوه قيد أنملة يوم صاروا حكاما, فكان أمرا طبيعيا جدا أن يتميز هذا العصر الذي حكموا فيه بلاد المسلمين.

كان همهم الأول ومقصدهم الأعظم: حفظ هذا الدين, حفظه من أن يُحرّف أو يُنتقص منه, وحفظه في قلوب الناس, وإعانة الخلق على تطبيقه,  ولذا, فإنك تجد أن أعظم إنجازاتهم لم تكن إلا أثرا لهذه العقيدة الراسخة التي ضربت بجذورها في أعماق قلب الواحد منهم, وهي أنه كفرد: لن ينجح في الدنيا ولا الآخرة إلا بالاتزام بشرع الله وبتحكيمه على نفسه وحكم الناس به, وأنه حين صار حاكما, فقد صارت مهمته ليست فقط أن يحفظ دينه ودين أهل بيته, بل عليه الآن أن يحفظ دين شعب كامل سيُسأل عنه يوم يقف بين يدي ربه, وعن شريعة كُلّف بحفظها يوم ارتقى هذا المنصب.

فإن طلبتَ الدليل, فهلم بنا نلقي نظرات عابرة على سيرة الصديق رضي الله عنه منذ أن تولى الخلافة, وهو خير المسلمين على الإطلاق بعد النبي صلى الله عليه وسلم, بل هو الذي نزل فيه قرآن يتلى يشهد له بأنه لا يرجو من أحد جزاء ولا شكورا, وإنما يرجو رضوان الله والجنة (وما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى), واسأل نفسك الآن: ما هو أعظم أعمال الصديق؟

 إنه وبلا أدنى شك: خوضه حرب الردة, وقتال مانعي الزكاة, ولولا حزمه وشجاعته لأوشك الدين أن يزول كلية, ويحفظ لنا التاريخ في ذلك مقالته الخالدة التي تلخّص لنا منهجه في حكمه وحياته بأسرها, أعني قوله رضي الله عنه: (والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه),  فلم يقبل بأي تفريط في دين الله ولو في حكمٍ واحد!

 وانظر إلى بركة هذا الفعل, فقد كان بمثابة التأسيس الثاني لدولة الإسلام, ويشاء الله أن يموت أبو بكر بعدها ليختم فترة حكم قصيرة جدا في عرف الحكام,  ليخلفه عمر الذي يوسع حدود هذه الدولة ويملأ العالم عدلا ورخاء..

ولو أردت أن تذكر موقفا للصديق يضاهي هذا الذي ذكرته, فأول ما يقفز إلى ذهنك: جمعه للقرآن, وذلك بمشورة الرجل الذي سيخلفه: عمر الفاروق! والكل يعلم كم تكبّد الصديق من العناء, في سبيل هذه الخطوة الفارقة في تاريخ المسلمين, والتي تعدّ أعظم عمل حفظ للمسلمين دينهم على الإطلاق.

فإذا انتقلت إلى خلافة عمر, لوجدت المنهج بعينه, يخرج من نفس المشكاة, فإنك تجد أعظم أعماله: فتحه للبلاد وتوسيعه لرقعة الدولة الإسلامية, لا لشيء إلا دعوةً إلى الله ونشراً لدينه, وإلا, فقد كان رضي الله عنه مُهابا مرهوب الجناب عند  أباطرة الروم وأكاسرة الفرس, وفراشه الحصير وثوبه ذو بضعة عشر رقعة! قد شقت أنهار دموعه أخدودين في وسط خديه, كثير البكاء قصير الأمل.

وإن شئت مزيد دلالة على هذا الأمر, فانظر إلى هذا الموقف الفذ, الذي لم يكد يتكرر أبدا في تاريخ العالم, حين أوقف الفتوحات في بلاد فارس لا لشيء إلا لكثرة الغنائم, وذلك في العام السابع عشر من الهجرة, خشية أن يُفتن شعبه بالدنيا فيتنافسوها كما تنافسها الذين من قبلهم, فتهلكهم كما أهلكتهم, فيظفرون بفتح فارس ويخسرون دينهم وآخرتهم.

فلما لم يخرج إلا لينشر دين الله في الأرض, ثم وجد أن هذا سوف يؤدي إلى انتقاص دين رعيته: فلتتوقف الفتوحات على الفور! وهذا لعمري من أرقى ما يكون من فكر وتصور وفقه لهذا الدين الذي لا مثيل له!

وعمر الفاروق, هو الذي يروى عنه أنه قال: (أينقص الدين وأنا حي), وإن كانت قد اشتهرت بين الناس على أنها من قول أبي بكر.

ثم انظر كيف كان يبعث معلمي القرآن إلى البوادي ليعلموا أهلها دينهم, بل كان يرسل البعوث إلى البلدان المفتوحة ليعلّم أهلها القرآن.

ولما كان حسن الفهم للشريعة مسددا من الله تعالى, فإنه قد استفاد من كل وسيلة ومن كل جديد يمكن أن يخدم به رعيته وينمي شتى جوانب دولته, فكان يتعبّد الله تعالى بتلك الإنجازات المشهورة, من تمصير الأمصار وإنشاء الدواوين وإقامة نظام قضاء مستقل, وإنشاء حرس للحدود وشق الأنهار وتمهيد الطرق.

فإن أردت أن تتعرف على الدافع الذي كان يدفع عمر دفعا إلى بذل كل هذه الجهود, فلتتأمل مقالته الخالدة أيضا: (والله لو تعثرت دابة في العراق لخشيت أن يسأل عنها عمر لمَ لمْ يمهّد لها الطريق)!

 فهذه الإنجازات التاريخية المبهرة, لم تكن إلا صورة من صور عبادة عمر بن الخطاب لربه!

ولما كانت هذه عقيدته وهذا ما يحمله قلبه من حب لله وشوق إلى لقائه وخوف من عقابه, فقد قدّم نموذجا لحاكم عادل يحفظ حقوق المواطنين أيا كان دينهم, نقول بكل فخر واعتزاز: إنه معدوم النظير! فما عَدَل عمر ولا أتاح الحريات ولا حفظ حقوق الإنسان إلا طاعة لربه ورغبة فيما عنده, وهذا ما نتمنى من قلوبنا أن يتفهمه الدكتور وغيره, أن العلاقة بين تطبيق مبادئ العدالة والحرية والمساواة (وفق التصور الإسلامي) وبين تطبيق الشريعة: لم تكن يوما علاقة تضاد, بل هي علاقة الجزء بالكل والفرع بالأصل, فمن اعتمد الشريعة كأصل مرجعيته ثم جاهد لتطبيقها كما أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم, فإنه حتما سوف يعدل ويحفظ حقوق المواطنين ولن يفضّل شريفا على وضيع. وكذلك كانت العلاقة بين الإنجازات الحضارية والسياسية والاقتصادية وبين تطبيق الشريعة: علاقة الجزء بالكل, فلن تجد دافعا في دنيا الناس يدفعهم إلى العمل بكل مبدأ سامٍ بقدر ما يدفعهم دافع الدين.

وما ظنك بمجتمع يرفع راية الشريعة عالية خفاقة, يعتقد أغلب أفراده –بل قل نصفهم- أن الله عليهم رقيب, يعتقدونها بقلوبهم لا يرددونها فقط بألسنتهم, ثم يعلم أنه لو فرّط في عمله: فهو آثم, متوعد بمحق البركة في ماله, وكل تفريط في عمله ليس إلا اقتطاعا للجزء المناظر له من راتبه بغير حق, وأن كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به, وأن صاحب العمل لو ظلم أجيره لكان متوعدا بظلمات يوم القيامة, ولو ارتشى موظف, لكان عند الله ملعونا, وإن بغى على زوجته كان آثما, وإن نشزت هي وآذته: كانت ملعونة من الملائكة! ويعلم الغني ذو الجاه أن القضاء لا يفرق بينه وبين من لا يجد قوت يومه, ثم علموا أن في خدمة المجتمع أجرا عظيما وأن الساعة لو قامت وفي يد أحدهم فسيلة لكان مأمورا بغرسها كما في الحديث الصحيح! ولو علم الموظف أن العلماء قد اختلفوا في جواز صلاة النافلة (السنة) أثناء وقت العمل, فهل تراه –لو كان ذا تقوى- يضيع أوقات العمل فيما لا يفيد؟ ولو علم أن تفريطه في الزكاة التي تنفق الدولة منها على الفقراء تفريطٌ في ركن من أركان الإسلام, وأن الله يحب إتقان العمل, وأن أقرب الناس منزلا من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحاسنهم أخلاقا, إلى غير ذلك من السلوكيات التي لن تجد لها مثيلا لا في الكم ولا في الكيف, يتميز بها مجتمع يرفع شعار: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت), تأمّل: (وبذلك أمرت).

فرد يعتقد في قرارة نفسه أن حياته كلها لله بل ومماته, كيف سيؤدي بالله عليك, وكم سيكون إنتاجه, وكيف ستكون جودة هذا الإنتاج؟

رجل يعلم أن الإسلام لا يعرف مصطلح (رجال الدين), بل يفهم أن كل مسلم ينبغي أن يكون (رجل دين), بخدمة دينه ومجتمعه في موضعه الذي قدّر الله له أن يشغله.

وإنك حين تتأمل جواب أمنا عائشة رضي الله عنها حين سُئلت: كيف كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم, فقالت: (كان خلقه القرآن), تتضح لك الصورة أكثر وأكثر, فتعلم أنه ما من خلق سامٍ ولا نجاح ولا تميّز ولا إيجابية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو أثر من آثار تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن, وهكذا كان خيرة صحابته رضي الله عنهم, وهكذا ينبغي أن يكون كل من يريد أن يقتفي أثره إلى يوم الدين.

هذا إذن هو مفهوم تطبيق الشريعة, وهذا ما حرص عليه الخلفاء الراشدون ولم يقبلوا فيه بأي تنازل, فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة, ملكوا الدنيا وفازوا بالآخرة, مصداقا لقوله جل وعلا: (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم).

بقي أن نناقش الدكتور حول ما حكاه عن الإسلاميين, من دعوتهم إلى إقامة الخلافة, فما كان ينبغي للدكتور أن ينعت دعوتهم تلك (بالغريبة), إذ لو نظر إلى المثال الذي ذكره في مقاله, من اجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة المسلمين قبل أن يدفنوا النبي صلى الله عليه وسلم, لعلم مبلغ هذا الأمر من الأهمية, ولأيقن أن دعوة إقامة الخلافة ليست خاصة بإسلاميي القرن الحادي والعشرين, بل هي أمر مجمع عليه بين الصحابة, نقل الإجماع عليه أكابر علماء الإسلام, كالماوردي والقرطبي والنووي والجويني وابن خلدون.

ثم ليعلم الدكتور أن العبرة ليست بالمسميات, فليسمها الدكتور بما شاء, خلافة إو إمامة أو ولاية أو رئاسة أو غير ذلك, ولكن لنتفق على أن مقومات الخلافة الأساسية ثلاث:

الأولى: أنها رياسة عامة للمسلمين, تتحقق من خلالها وحدة المسلمين التي أوجبها الله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) وقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا), وقد رأينا دول الاتحاد الأوروبي تحاول وتكدّ وتسعى كي تحقق وحدةً تجمع شعوب القارة كلها, فهذا مبدأ يقره العقل ويؤيده العرف الدولي ويوجبه قبل ذلك الشرع المطهر.

الثاني: قيامها على حراسة الدين, وهذا أيضا لا ينبغي أن يُختلف فيه, وقد جاءك من نبأ الصديق والفاروق ما فيه معتبر.

الثالث: سياسة دنيا الناس بالدين, فحكم الله على الرعية وعلى الخليفة سواء, لا يشذ عن الالتزام بمرجعيته أحدٌ كائنا من كان.

فأي اعتراض لايزال في ذهن الدكتور على شيء من ذلك, وأي غرابة في هذه الدعوة؟

نعم, ربما يتعذر جمع كلمة المسلمين في يومنا هذا تحت راية واحدة, ولكن هذا لابد أن يكون أملا منشودا عند الدكتور وعند كل مسلم, ونحن نرى بأعيننا كيف وضع العالمُ المسلمين غرضا لسهامه, وكيف يمارسون ألوان القمع والاستبداد على دول المسلمين, كونها متفرقة لا تجمعها رابطة, فينهش لحم هذه, ثم يهضم وجبته, ثم يفترس غيرها, والله وحده يعلم متى تنتهي هذه المأساة.
وصلى الله على خير خلقه القائل: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية).

والحمد لله رب العالمين، يُتبع إن شاء الله بالوقفة الثالثة.

 هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة، ويتحمل كاتبُها مسؤوليتَها وحده.

 

رابط للنسخ :
التعليقات على المقالاتعلامات المقال